الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

119

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أنه لا ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم ا ه . أي لا يكون الضرب يطير الجلد حتى يظهر اللحم ، فاختيار هذا اللفظ دون الضرب مقصود به الإشارة إلى هذا المعنى على طريقة الإدماج . واتفق فقهاء الأمصار على : أن ضرب الجلد بالسوط . أي بسير من جلد . والسوط : هو ما يضرب به الراكب الفرس وهو جلد مضفور ، وأن يكون السوط متوسط اللين ، وأن يكون رفع يد الضارب متوسطا . ومحل الجلد هو الظهر عند مالك . وقال الشافعي : تضرب سائر الأعضاء ما عدا الوجه والفرج . وأجمعوا على ترك الضرب على المقاتل ، ومنها الرأس في الحد . روى الطبري أن عبد اللّه بن عمر حد جارية أحدثت فقال للجالد : اجلد رجليها وأسفلها ، فقال له ابنه عبد اللّه : فأين قول اللّه تعالى : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ فقال فاقتها . وقوله : كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما تأكيد للعموم المستفاد من التعريف فلم يكتف بأن يقال : فاجلدوهما ، كما قال : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [ المائدة : 38 ] وتذكير كل واحد تغليب للمذكر مثل وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ [ التحريم : 12 ] . والخطاب بالأمر بالجلد موجه إلى المسلمين فيقوم به من يتولى أمور المسلمين من الأمراء والقضاة ولا يتولاه الأولياء ، وقال مالك والشافعي وأحمد : يقيم السيد على عبده وأمته حد الزنى ، وقال أبو حنيفة لا يقيمه إلا الإمام . وقال مالك : لا يقيم السيد حد الزنى على أمته إذا كانت ذات زوج حر أو عبد ولا يقيم الحد عليها إلا ولي الأمر . وكان أهل الجاهلية لا يعاقبون على الزنى لأنه بالتراضي بين الرجل والمرأة إلا إذا كان للمرأة زوج أو ولي يذب عن عرضه بنفسه كما أشار إليه قول امرئ القيس : تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا * علي حراصا لو يسرّون مقتلي وقول عبد بني الحسحاس : وهن بنات القوم إن يشعروا بنا * يكن في بنات القوم إحدى الدهارس الدهارس : الدواهي . ولم تكن في ذلك عقوبة مقدرة ولكنه حكم السيف أو التصالح على ما يتراضيان عليه . وفي « الموطأ » عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن رجلين اختصما إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقال أحدهما : يا رسول اللّه اقض بيننا بكتاب اللّه . وقال الآخر وهو أفقههما : أجل يا رسول اللّه فاقض بيننا بكتاب اللّه وائذن لي أن أتكلم . فقال :